البحث:
ينطلق هذا البحث من مركزية مفادها أن قبيلة عتيبة المعروفة اليوم هي الامتداد التاريخي لبطون هوازنية قديمة، ويعتمد في إثبات ذلك على تحليل النصوص الواردة في كتب الأنساب والتاريخ منذ القرن الثاني الهجري، مرورًا بالشهادات الشعرية والجغرافية، وانتهاءً بالوثائق التراثية والذاكرة الشفهية.
وقد سعى الباحث في هذا العمل إلى الجمع بين الاستقراء النصي والتحليل التاريخي في تتبع اسم "عتيبة" منذ ظهوره كعلم على فرد في بني هوازن، حتى تحوّله إلى مسمى قبلي جامع، مع المحافظة على الحياد العلمي في عرض الآراء، والترجيح بينها وفقًا لقوة الأدلة وتواترها.
جل النصوص من كتاب "عتيبة الهيلا - بنو هوازن" للمؤلف مثيب بن محمد المثيب العتيبي، الطبعة الخامسة، 1436هـ - 2014م. حيث أن المسألة قديمة وتمت تغطيتها منذ أعوام. الأ أني قد أضفت وثائق من "الشفعان من عتيبة" للكاتب نايف بن عبد العزيز العصيمي
الجذور الأولى: شهادات القرون المبكرة
شهادة هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 204هـ):
"وفي جمهرة النسب لهشام بن محمد بن السائب الكلبي وهو من أهم كُتب الأنساب, : (عتيبة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن)"
اوردها “وولد جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن: غزيّة، وعديّا، وعصيمة. فولد غزيّة: جداعة، وحميّا، وعتيبة، وعتوارة”
-كتاب جمهرة النسب - ابن الكلبي صـ 383
شهادة الإمام أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر الأعرابي (251-341هـ):
الإمام أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر الأعرابي العنزي (251-340هـ):
«حدثنا "عبيد الله بن رماحس بن محمد بن خالد بن جبير بن قيس بن عمرو بن عيده بن ناشب بن عتيبة بن غزية الجشمي بالرملة سنة سبعين ومائتين للهجرة في المسجد الجامع في ربيع الآخر وهو من أهل الرملة، عن زياد بن طارق الجشمي، عن أبو جرول زهير بن صرد الجشمي قال: كان يوم حنين حين أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ...»
والسلسلة كما وردت في الكتاب:
عتيبة بن غزية بن جشم
كتاب معجم شيوخ ابن الأعرابي جـ 2 صـ332
شهادة ابن سعد في الطبقات الكبرى:
"وورد اسم عتيبة في هوازن أيضاً في كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد. وجاء فيه: (أن معاذ بن عبد الرحمن التيمي من قريش تزوج أم عمرو زيينة بنت عتيبة من بني سعد ابن بكر بن هوازن)"
كتاب الطبقات الكبرى جـ 7 صـ 238
خلاصة هذه الشهادات:
من خلال هذه الشهادات، يتبين لنا ورود اسم "عتيبة" في فرعين رئيسيين من هوازن، هما: بني جشم وبني سعد، وذلك في توثيق يعود للقرن الثاني والثالث الهجري. ويُفهم من هذه النصوص أن أحد الرجلين وهو عتيبة الجشمي له نسل ذكوري ثابت (ناشب بن عتيبة)، بينما الآخر عتيبة السعدي ورد في النسب من خلال ابنته (زيينة بنت عتيبة). وكلاهما يرجع إلى بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
ذريّة غزية (والد عتيبة) وانتشارها
يقول دريد بن الصمة:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
ويقول الإمام عز الدين محمد بن المنصور (ت 614هـ):
وإن أدع في علياء هوازن تأتني
قبائل أزكى حين تسمى وأحسب
غزية نيران الحروب ومنهمو
فوارس خطارون والنقع أشهب
لهم ما حوى شط العراق مشرّقاً
إلى حيث يحويه السّرار وغرّب
وهم ملأوا الأرض الفضاء بضمّر
عتاق أبوهن الوجيه المذهّب"
هذه الشهادات الشعرية تُبرز مكانة غزية (والد عتيبة في السلسل النسبي) واتساع رقعتها الجغرافية ودورها في الحروب، وتُشير إلى كثافة عددية وانتشار واسع من العراق إلى السّرار في نجد.
الجغرافيا والانتشار:
قال الأحيوي: "هذا نص ثمين للغاية فهو قديم جدا لإمام عالم من أئمة الزيدية في اليمن يقطع القول في نسب غزية وأنهم غزية هوازن وأنهم هم الذين ملأوا الأرض من شط العراق مشرقاً" (نقلا عن عتيبة الهيلا - بنو هوازن ص 51-52)
ويضيف المؤلف: "المواضع المذكورة تقع في وسط بلاد نجد تقريباً، وهي واديا التسرير الشمالي والجنوبي، وهي تقع إلى الشمال من محافظة الدوادمي على بعد حوالي 90 كيلومتراً." (ص 52)
وذكر السمعاني (ت 562هـ): "غزية وهي قبيلة كبيرة العدد"
وقال ابن خلدون (ت 808هـ): "بنو غزية كثيرون... لهم الكثرة والإمارة بالعراق لهذا العهد"
وذكر القلقشندي (ت 821هـ): "وهم بطون كثيرة"
كل ما سبق يشير إلى أن غزية -والتي ينتسب إليها عتيبة "بن غزية" بن جشم- كانت قبيلة ضخمة منتشرة جغرافياً في الحجاز ونجد والعراق والشام.
عتيبة الجشمي وعتيبة السعدي
"وحيث إنه قد تبيّن من خلال بحوثهما - الأحيوي والطيب - وثبت أن هناك رجلان في هوازن كل منهما يسمى «عتيبة» فالأول هو عتيبة من بني سعد بن بكر بن هوازن والثاني هو عتيبة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن..."
"...ولذلك لا نتصور أن تخرج تسمية قبيلة عتيبة من هذا المنطلق عن اسم أحد أولئك الرجلين أو كلاهما معاً، ويبدو أن هذا الرأي هو الأقرب للصواب بناءً على ما توفر من نصوص موثقة"
"وأنا شخصياً كباحث أميل وأرجح أن نسبة قبيلة عتيبة هي إلى «عتيبة بن غزية» بدليل ثبوت نسله رجلاً اسمه «ناشب بن عتيبة» قد أنسل ذرية من خلال صحة الحديث الذي رواه أحد فروع ذريته الأسفلين، بينما عتيبة السعدي ورد من خلال اسم ابنته"
عتيبة الهيلا - بنو هوازن (ص 36-41)
التسمية إلى الكيان القبلي
كما ورد في كتاب "عتيبة الهيلا - بنو هوازن" (ص 37):
"وقد ذهب جل الباحثين إلى أنهم من هوازن أعظم وأجل قبائل الحجاز ونجد عدداً وعدة ومنعة. وقد ذهب البعض إلى أن عتيبة قحطانيون من اليمن، ولست هنا- الأحيوي - بصدد عرض الآراء في نسب عتيبة وتحليلها فلهذا مقام آخر، والصحيح أن عتيبة هم بنو عتيبة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان وهو الناس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأقدم من رأيته ذكر عتيبة سراج الدين محمد بن عبد الله الرفاعي (755-880هـ) في ذكره أنساب بعض آل البيت الكرام فقال: «وأما الحسين بن داود بن سليمان فمن ولده عبد الله المعروف بالهندي وله عقب، والحسين الملقب بريحي له عقب معروف. وداود وهو ميثان وذكر له بعض النسابة ولداً اسمه يحيى، ونسب بني الرويعي إليه كذب لا شبهة فيه لأنهم ينتسبون إليه من ولد له على ما يزعمون يسمّونه ناجعاً. وناجع هذا رجل من عتيبة من بادية الحجاز، وبنو الرويعي غاية انتسابهم إليه فهم من عتيبة لا ريب»."
ابن فهد المكي في حوادث سنة 874هـ:
"وفي آخر صفر منها توجه بعسكره من وادي مر إلى جهة الشرق، يغزو بعض عرب عتيبة: فإنهم قطعوا العهد الذي بينهم وبينه"
(ص 37)
الزبيدي (1145-1205هـ):
"بنو عتيبة كجهينة قبيلة من العرب"(ص 37)
يُفهم من هذه النصوص أن التسمية "عتيبة" بدأت تتحول من علم على فرد إلى علم على جماعة، ثم إلى كيان قبلي في الحجاز ونجد، يتسع بالتدريج.
أدلة الـ 900 هـ
هذه الوثائق تُعد دليلاً مادياً إضافياً على استمرارية الاسم العتيبي في بني سعد من هوازن وهي كما اوردها نايف بن عبد العزيز العصيمي في كِتابه المذكور اعلاه، وتشمل:
- 941هـ: العطاوي الروقي العتيبي السعدي
- 955هـ: الحمراني العصيمي العلوي العتيبي السعدي
- 968هـ: الشهيبي الثبيتي العتيبي السعدي
- 970هـ: الروقي العتيبي السعدي
- 979هـ: الروقي العتيبي السعدي
الذاكرة الحية: شهادة بني سعد
حنا بني سعد عما عين الحفيف
رحى عتيبة يوم كل له رحى
والله لولا حشمتك يا ذا الشريف
يا كل القبائل ما تغدينا ضحى
(ص 39)
هذه الشهادة الشفوية التراثية من بني سعد تؤكد أنهم في عتيبة، وتعكس وعياً جمعياً بهذا الانتماء.
التطابق الجغرافي المذهل:
- مساكن عتيبة كما وصفها البلادي:
كما ورد في الكتاب (ص 30-31):
"ولذلك يطلق عليها (عتيبة الهيلا) لكثرة عددها ومنعتها وقوة غلبتها. ومن بعض ما كتب في ذكر شأنها ما قاله البلادي في معجمه: «إحدى القبائل الكبيرة في شرق الحجاز ونجد كانت ديارها حرة الحجاز شمال مكة على مدركة ورهاط من تجرة وجنوباً إلى الطائف وما حوله»"
- كما ورد في الكتاب (ص 134-136):
"ومن مساكن عتيبة قديماً قبل النزول والاستقرار في نجد ولا يزال بها عدد غير قليل منهم حتى الآن ومنها:
- الطائف: وماحوله مثل السيل الكبير، وهو من ديار عتيبة قديماً
- مكة المكرمة: في حي المعبادة والعتيبية والشرايع وماحولها
- رهاط: وهو بلد قديم يتبع منطقة مكة المكرمة
- مدركة: وهي من بلاد الروقة قديماً ولا تزال
- مسيحة: وهي من بلاد الروقة قديماً ولا تزال"
شهادات المؤرخين في نسب عتيبة
نذكر أبرزها:
1. الشيخ المدني
الكتاب: مختصر رب الأرباب المذيل في كتاب السيوطي لب الألباب
القول: "العتيبي وهو نسبة لعتيبة لغة نسبة إلى بني عتيبة قبيلة من العرب مشهورة بوسط نجد إلى قريب مكة المكرمة"
2. المؤرخ حسن بن جمال الريكي - 1232 هـ
الكتاب: لمع الشهاب في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
القول: "قبيلة عتيبة فهي قبيلة كبيرة سابقاً تسمى هوازن"
3. أحمد بن محمد الحضراوي - 1327 هـ
الكتاب: نزهة الفكر فيما وقع من الحوادث والعبر
القول: "وعتيبة بطن من هوازن"
4. عبد الستار الدهلوي - 1355 هـ
الكتاب: تحفة الأحباب في بيان اتصال الأنساب
القول: "قبائل العتيبة قبائل عتيبة وهم قديماً يعرفون بهوازن وهي قبيلة من قيس وهو هوازن من منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان"
5. شرف بن عبد المحسن البركاتي - 1358 هـ
الكتاب: الرحلة اليمانية
القول: "قبائل عتيبة وهذا الاسم شامل لجملة قبائل متحالفة عتيبة وهوازن متحالفتين فحقيقة عتيبة هي هوازن"
6. شكيب أرسلان - 1366 هـ
الكتاب: الابتسامات واللطائف
القول: "عتيبة هي من هوازن"
7. خالد بن محمد الفرج - 1374 هـ
الكتاب: الخبر والعيان في تاريخ نجد
القول: "عتيبة هي هوازن"
8. الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد - 1377 هـ
الكتاب: صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار
القول: "وقبائل هوازن في منازلها من العهد الجاهلي إلى هذا العهد وأطلق اليوم على تلك القبائل اسم عتيبة"
9. محمد علي العبيد - 1399 هـ
الكتاب: النجم اللامع للنوادر جامع
القول: "قبيلة عتيبة وأصلهم من هوازن"
10. الشيخ حمد الجاسر - 1423 هـ
الكتاب: جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد
القول: "وهي تضم فروعاً كثيرة جلها عدنانية من قيس عيلان من هوازن"
11. الشيخ حمد الجاسر - 1415 هـ
مجلة العرب الصادرة في ذي القعدة والحجة
القول: "اسم سعد من الأسماء المحبوبة عند العرب وهذا كثر المسمون به وأكثر عشائر عتيبة تنتمي إلى بني سعد القبيلة المعروفة بمنطقة الطائف"
12. الشيخ حمد بن إبراهيم الحقيل - 1429 هـ
الكتاب: كنز الأنساب ومجمع الآداب
القول: "وعلماء النسب يرجعون أصولها إلى هوازن"
13. محمد بن عثمان بن صالح القاضي
الكتاب: منهاج الطلب عن مشاهير قبائل العرب
القول: "وتنتمي إلى عدنان وينتهي نسب عتيبة إلى هوازن بن منصور الكثير من علماء النسب يرجعون معظمهم إلى هوازن من منصور من قيس عيلان ثم إلى مضر"
14. الشريف محمد بن منصور (من أعيان زمانه)
الكتاب: قبائل الطائف وأشراف الحجاز
القول: "وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهم مجموعة أحلاف من القبائل لا يربطها نسب ولا قربى سوى دعوة عتيبة التي هي نخوتهم ولحمة نسبهم وعماد جمعهم ومنهم من أرجعها إلى هوازن وبطونها وهذا ما أرجحه وأميل إليه لأن كثيراً من قبائل العتيبة يذكر العارفون فيها أنهم يرجعون في الأصل إلى بني سعد وبنو سعد كما هو معروف بطن من بطون هوازن ولا زالوا يعرفون بهذا الاسم حتى الآن"
هذه جميع الأقوال والمراجع التاريخية المذكورة في النص عن نسب قبيلة عتيبة.
التكتل الهوازني إلى عتيبة
"فإنه بناءاً على ما تقدم يعتبر هذا التكتل القائم على هذا التحالف بين مختلف فروع هوازن التي آثرت البقاء بمساكنها في الحجاز ونجد بعد رحيل معظم قبائلها إلى العراق وبلاد الشام ومصر وبلاد المغرب..."
(ص 29)
"وكذلك بسبب كثرة الحروب المستمرة... مما دفع هذه الفروع من هوازن إلى الاتحاد والاندماج فيما بينها كي تستطيع تأمين حماية ديارها وأنعامها وأرواح أبنائها"
(ص 33)
"وهذا التكتل... يمكن الاستدلال عليه من بعض مؤشرات الوقائع التاريخية التي كانت تذكر فروع هوازن في الحجاز ونجد بأسمائها المتعارف عليها في السابق، والوقائع الأخرى التي بدأت بعد ذلك تذكرهم بالحجاز ونجد بهذا الاسم الجديد لهذه الفروع التي أصبحت تعرف بقبيلة عتيبة"
(ص 29)
الخاتمة التحليلية
بناءً على ما سبق، يمكن تلخيص نتائج هذا البحث في ثلاث نقاط رئيسية:
- ثبوت اسم "عتيبة" في بطون هوازن في المصادر المبكرة، خصوصاً لدى غزية وبني سعد، ما يؤكد أصالة الاسم داخل الجذر الهوازني.
- تشكُّل التكتل العتيبي في الحجاز ونجد نتيجة ظروف اجتماعية وجغرافية وتاريخية أدت إلى انصهار فروع هوازنية متبقية تحت مسمى واحد.
- استمرار التسمية "عتيبة" حتى أصبحت علماً على كيان قبلي كبير، يمتد من الطائف إلى نجد، يجمع فروعاً هوازنية صريحة تحت نسب واحد.
وبذلك يتضح أن قبيلة عتيبة ليست طارئة النشأة ولا ملفقة النسب، بل هي امتداد أصيل لبني هوازن في الحجاز ونجد، وقد احتفظت بهويتها مع تغير الأزمنة وتطور أنماط الانتماء.
المداخلات العلمية (2)
انضم للمداخلات العلمية
سجل دخولك لتشارك وتضيف مداخلتك الأكاديمية على هذه الدراسة.
تسجيل الدخول للمشاركةفالح السعدي
منذ 6 شهورعبدالرحمن الروقي
منذ 6 شهورعبدالرحمن الروقي
منذ 6 شهورريان الزهراني
منذ 6 شهورونعم فالجميع.
عبدالرحمن الروقي
منذ 6 شهور