هل أخطأ الفاطميون في تقدير الحملات الصليبية؟ قراءة في الروايات الإسلامية والغربية
المبحث الأول: السياسة الفاطمية تجاه الحملات الصليبية في الكتابات التاريخية الإسلامية
لا يمكن فهم الموقف الفاطمي من الحملات الصليبية بمعزل عن طبيعة الصراع السياسي والمذهبي القائم آنذاك بين السلاجقة السُّنّة والفاطميين الشيعة. فقد شكّل التوسع السلجوقي السريع نحو بلاد الشام مصدر قلق بالغ للفاطميين، خاصة مع وصول القوات السلجوقية إلى تخوم مصر، واستيلائها على الشام وفلسطين، وهو ما مثّل تهديداً مباشراً لوجود الدولة الفاطمية.
وأمام هذا الخطر، رأى الفاطميون أن التواصل مع الصليبيين قد يكون وسيلة لخلق قوة عازلة تحول دون تقدم السلاجقة نحو مصر، فعرضوا عليهم دخول بلاد الشام. وانطلاقاً من ذلك، توجه الصليبيون إلى القسطنطينية حيث أعادوا تنظيم قواتهم، ثم انطلقوا منها نحو الشام لتنفيذ مشروعهم، في توافقٍ ظاهري مع الطرح الفاطمي الذي جاء نتيجة شعورهم بالمأزق السياسي والعسكري.
ويشير ابن تغري بردي إلى مظاهر تقاعس الجيش الفاطمي عند دخول الصليبيين بلاد الشام، رغم اتضاح نياتهم العدوانية، فيذكر اجتماع ملوك المسلمين في الشام بجيوشهم – من حلب والموصل وماردين وسنجار – عقب سقوط معرّة النعمان بعد أنطاكية، بينما لم تتحرك عساكر مصر بقيادة الوزير الأفضل للمشاركة في القتال. وعلى الرغم من كثرة المسلمين وقوتهم، فقد قُدّر لهم الانكسار أمام الصليبيين وتفرّق جموعهم، حتى اضطروا إلى الاستنجاح بالخليفة العباسي المستظهر، في حين استمر تقاعس الجيش الفاطمي عن الخروج.
وبعد ذلك، توجه الصليبيون إلى بيت المقدس فدخلوه، وارتكبوا مجازر عظيمة، ونهبوا الأموال والكنوز، في وقتٍ لم تُسجّل فيه أي محاولة جادة من عساكر الفاطميين لنجدته.
ويمكن تفسير سهولة وصول الصليبيين إلى بيت المقدس بالعودة إلى مرحلة سابقة، حينما تواصل الفاطميون معهم وشجعوهم على دخول الشام. ففي تلك الفترة، خرج الوزير الأفضل على رأس جيشه إلى بيت المقدس، وكان بها الأميران التركيان سقمان وإيلغازي ابنا أرتق، وطلب منهما تسليم المدينة، فلما رفضا، أعلن عليهما القتال، وضرب أسوار المدينة بالمجانيق حتى تهدمت أجزاء منها، ثم استولى عليها بالقوة، واضطر الأميران إلى الانسحاب نحو الشام، فعاد الأفضل بعد ذلك إلى مصر.
ويبدو أن الأفضل كان يعتقد بوجود تفاهم ضمني مع الصليبيين، مفاده أن هدفهم ينحصر في قتال السلاجقة، وهو ما جعله يأمن جانبهم. ويرى الباحث أن الأضرار التي لحقت بأسوار بيت المقدس نتيجة القتال الفاطمي السابق أسهمت – من غير قصد – في تسهيل دخول الصليبيين لاحقاً، إذ لم يكن الوزير يتوقع انقلابهم عليه، وسرعان ما سقطت معرّة النعمان، ثم دخل الصليبيون بيت المقدس.
المبحث الثاني: الموقف الفاطمي في ضوء المصادر الغربية المعاصرة للحملات الصليبية
تُعد الحملات الصليبية من أكثر الفترات التاريخية تعقيداً في التاريخين الإسلامي والغربي، نظراً لطول مدتها وحدة الصراع الذي صاحبها، الأمر الذي يفرض على الباحث استعراض الرؤية الغربية المعاصرة للحدث أو المنقولة عنه.
فحينما كانت الحملة الصليبية في القسطنطينية تستعد للانطلاق، نصح الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين الأمراء الصليبيين بالتواصل مع الفاطميين، مبرراً ذلك بعداوته الشديدة للسلاجقة، ومشيراً إلى أن الفاطميين يتسمون بالتسامح مع الرعايا المسيحيين، وأن باب التعامل معهم مفتوح.
وعند وصول الحملة إلى أنطاكية وعسكرتها هناك، وصلها رسول الوزير الأفضل، عارضاً رغبة الفاطميين في تقاسم الأراضي السلجوقية، بحيث تكون فلسطين للفاطميين وشمال الشام للصليبيين. وكان الأفضل يظن أن هذه الحملة ليست سوى قوة مرتزقة بيزنطية جاءت للرد على هزيمة ملاذكرد. غير أن الصليبيين تعاملوا مع السفارة الفاطمية بدهاء، فأحسنوا استقبالها، وأبقوها فترة دون رد واضح، ثم أعادوها إلى مصر مرفقة بسفارة صليبية محمّلة بالهدايا، موهمين الفاطميين بقبول العرض، بينما كانت غايتهم الحقيقية منذ خروجهم من أوروبا هي الاستيلاء على بيت المقدس.
ويؤكد هذا السياق أن تقدير الفاطميين لطبيعة الحملة الصليبية كان غير دقيق، إذ ساد لديهم اعتقاد خاطئ بأن الفرنجة مجرد أتباع للإمبراطورية البيزنطية. ويرى المؤرخ الكاثوليكي جوناثان سميث أن الفاطميين – رغم معاركهم اللاحقة مع الصليبيين – لم يكن الجهاد في صميم تصورهم السياسي والديني، بل جاء في مرتبة لاحقة بعد ما وصفه بجهاد النفس، وأن بيت المقدس لم يكن يمثل لديهم ذات الأهمية التي حظي بها عند عموم المسلمين، إذ لم تكن المدينة عاصمتهم في فلسطين، بل كانت الرملة مركزهم الإداري وعسقلان قاعدتهم البحرية، في حين انحصر نفوذهم خارج هذه المدن.
حتى عندما اقترب الأمير ريموند من فلسطين، أرسلت إليه السفارة الفاطمية – ذاتها التي أُرسلت إلى أنطاكية – لتبلغه بأن القدس أصبحت تحت حكم الفاطميين، وعرضوا السلام والسماح للمسيحيين بالحج دون سلاح، بل ودفعوا رشاوى مالية، إلا أن الصليبيين رفضوا العرض، إذ لم تعد موازين القوة في صالح الفاطميين.
ويصف المؤرخ الصليبي فوشيه الشارتري، الذي عاصر الحملة الصليبية الأولى، المواجهة العسكرية في عسقلان، مشيراً إلى أن القوات الفاطمية ما إن اشتبكت مع الصليبيين حتى انهارت سريعاً، وقُتل عدد كبير من الجنود خلال وقت قصير، وفرّ آخرون إلى داخل الأسوار. ويذكر أن الوزير الأفضل – الذي يسميه لافيدالوس – فرّ من ساحة المعركة عند أول مواجهة، تاركاً خيمته بما فيها من أموال.
وتكشف هذه الروايات أن الهزيمة الفاطمية جاءت نتيجة ضعف التنظيم العسكري وسوء التقدير السياسي، إضافة إلى إهمال تحصين بيت المقدس تحصيناً كافياً. كما أخطأ الوزير الأفضل في تقدير نيات الصليبيين، وافترض تعاونهم معه في تقسيم بلاد الشام، ولم يتوقع جرأتهم على مهاجمته مباشرة، في حين أن غايتهم الدينية كانت أقوى من أي تفاهم دبلوماسي. ويعكس سقوط بيت المقدس في النهاية تقاعس القيادة الفاطمية، وضعف التماسك الداخلي الناتج عن الانقسامات المذهبية، فضلاً عن محدودية الأهمية الدينية والسياسية للمدينة في التصور الفاطمي آنذاك.
الخلاصة
تُظهر قراءة الموقف الفاطمي من الحملة الصليبية الأولى أن ما جرى لم يكن نتيجة مواجهة عسكرية مفاجئة فحسب، بل ثمرة تقدير سياسي غير دقيق لطبيعة الخطر القادم من الغرب. فقد تعامل الفاطميون مع الحملة الصليبية بوصفها حركة يمكن توظيفها في صراعهم مع القوى السُّنية، لا بوصفها مشروعاً دينياً توسعياً يستهدف قلب العالم الإسلامي. هذا التصور الخاطئ أسهم في فتح الطريق أمام الصليبيين، قبل أن تتكشف نياتهم الحقيقية بصورة متأخرة.
كما تكشف الوقائع التاريخية أن السياسة الفاطمية في تلك المرحلة كانت محكومة باعتبارات مذهبية غلّبت الصراع الداخلي على مواجهة الخطر الخارجي، الأمر الذي جعل التحالف أو التنسيق مع قوى غير إسلامية خياراً مقبولاً ما دام يحقق توازناً في مواجهة العباسيين والسلاجقة. وقد انعكس هذا النهج بوضوح في إدارة الملف العسكري والسياسي، ولا سيما في ظل سيطرة الوزراء على القرار، وهو ما أدى إلى ضعف الاستعداد العسكري وسوء إدارة المواجهة، وانتهى بخسارة بيت المقدس في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة.
وتبرز مصر في هذا السياق بوصفها الحلقة الأضعف في الجبهة الإسلامية الغربية آنذاك، إذ أدى التراخي في دورها الدفاعي إلى إحداث فراغ استراتيجي استغله الصليبيون سريعاً. كما يتضح أن بيت المقدس لم يكن يحظى بالمكانة الدينية والسياسية المركزية في التصور الفاطمي، مقارنة بمدن أخرى مثل الرملة وعسقلان، وهو ما أسهم في محدودية الجهد المبذول للدفاع عنه.
وفي المجمل، يعكس الموقف الفاطمي من الحملات الصليبية الأولى حالة من التعقيد السياسي والمذهبي، حيث غلّبت الحسابات الآنية والتحالفات المرحلية على قراءة بعيدة المدى لطبيعة الخطر. وهي قراءة انتهت بنتائج كبرى، كان أبرزها فتح الطريق أمام الصليبيين للوصول إلى القدس، وتغيير موازين القوى في المشرق الإسلامي لسنوات طويلة لاحقة.
المداخلات العلمية (0)
انضم للمداخلات العلمية
سجل دخولك لتشارك وتضيف مداخلتك الأكاديمية على هذه الدراسة.
تسجيل الدخول للمشاركةلا توجد مداخلات بعد. كن أول من يضيف مداخلة!