نقش المُسند: جذوره، تسميته، وخصائص أقدم أبجديات جنوب الجزيرة العربية
المحور الأول: معنى كلمة «المُسند»
يُستعمل لفظ المُسند في اللغة العربية للدلالة على الشيء الذي يُعتمد عليه أو يُستند إليه، كأن يكون وسادة أو دعامة، كما ورد أيضاً بمعنى العارضة الأفقية ذات الأرجل أو الكرسي. ويُسهم هذا المعنى اللغوي في دعم الرأي التاريخي القائل بأن تسمية خط «المُسند» جاءت مستوحاة من هيئة حروفه، إذ تظهر الحروف قائمة ومتتابعة، وكأنها تستند إلى بعضها بعضاً. ويُعد هذا الرأي – المدعوم بالمعاجم اللغوية – الأرجح في نظر الباحث.
ويقابله رأي آخر يراه الباحث بعيداً، مفاده أن تسمية «المُسند» مأخوذة من العبارة الملكية القديمة: "سطرو ذن مسندن"، أي "اكتبوا هذه الكتابة"، حيث يُفترض أن لفظ "مسندن" تحوّل لاحقاً إلى "مسند".
كما يرى بعض المستشرقين أن العرب الجنوبيين استلهموا شكل حروف المسند من أعمدة مبانيهم، فجاءت الحروف قائمة تشبه عمارة قصورهم ومعابدهم، في تعبيرٍ عن رغبة واضحة في إيجاد انسجام بصري بين شكل الحرف والبناء المعماري.
المحور الثاني: أصول نقش المُسند
يرجع أقدم نقش يمني مكتوب بخط المُسند – وفق المعطيات الأثرية الحالية – إلى أوائل القرن التاسع قبل الميلاد على أبعد تقدير، ويُستدل على ذلك بختم عُثر عليه في موقع «بيتل» بفلسطين. ومع ذلك، لا يُعد هذا التاريخ حاسماً لبداية ظهور الخط، إذ لا يُشترط أن يكون زمن النقش مطابقاً لتاريخ الختم المكتشف، فقد يكون الخط أقدم من ذلك. وحتى اليوم، لم يتمكن الباحثون من تحديد الكيفية الدقيقة لنشأة خط المُسند، وإنما يكتفون برصد أقدم آثاره المؤكدة.
أما أحدث ما توصّل إليه علماء الآثار فيشير إلى وجود نقوش مسندية تعود إلى أواخر القرن السادس الميلادي، وهو ما يدل على استمرار استخدام هذا الخط لفترة طويلة، قبل أن يبدأ في الاندثار مع شيوع اللهجات العربية الشمالية، ثم مع بزوغ الإسلام ونزول القرآن الكريم.
ويرى بعض الباحثين أن اليمنيين اقتبسوا خط المُسند من الفينيقيين، غير أن هذا الرأي محلّ جدل، إذ يذهب اتجاه آخر إلى أن الفينيقيين أنفسهم يُعدّون فرعاً من الشعوب الجنوبية، وأن الحضارة اليمنية الجنوبية أقدم زمنياً من الحضارة الفينيقية. وبناءً على ذلك، يُرجَّح أن خط المُسند نابع من البيئة الحضارية اليمنية الخالصة، ويُعد من أقدم نظم الكتابة الأبجدية المعروفة، بل وتذهب بعض الآراء إلى أن الحروف الفينيقية قد تكون مقتبسة من الحروف المعينية اليمنية القديمة.
المحور الثالث: أهم مميزات المُسند الجنوبي
يُعد خط المُسند الجنوبي أحد اللهجات الكتابية اليمنية القديمة المرتبطة بـالحضارة الحميرية، وقد تميّز بعدد من الخصائص البارزة، أبرزها اعتماده على النقش على الصخور والمباني والجدران. ويتكوّن هذا الخط من حروف أبجدية يبلغ عددها (29) حرفاً، وهو العدد نفسه لحروف العربية الحديثة.
ومن أبرز سماته أن حروفه لا تُدمج أو تُوصل ببعضها كما في العربية، بل تُكتب منفصلة وقائمة بذاتها. وعند الانتقال من كلمة إلى أخرى، يُفصل بينهما بخط عمودي يُسهّل على القارئ تمييز حدود الكلمات. كما يُكتب ويُقرأ من اليمين إلى اليسار، شأنه في ذلك شأن اللغة العربية.
وتخلو حروف المُسند من النقاط وعلامات الترقيم والتشكيل، فتبدو كحروف صامتة، ويُعبَّر عن التنوين بإضافة حرف النون في نهاية الكلمة، بينما يُعبَّر عن التشديد بتكرار الحرف المُشدَّد. ولم يرصد الباحثون طريقة خاصة للتعبير عن الاستفهام في نصوص المُسند، وهو أمر شائع في اللغات السامية القديمة عموماً.
كما تتسم نصوص المُسند بكتابتها للأفعال بصيغها الأصلية المجردة، بحيث يستنتج القارئ الصيغة والدلالة من سياق النص، وهو ما يعكس محدودية تنوع الصيغ الصرفية الظاهرة مقارنة بالعربية اللاحقة.
المداخلات العلمية (0)
انضم للمداخلات العلمية
سجل دخولك لتشارك وتضيف مداخلتك الأكاديمية على هذه الدراسة.
تسجيل الدخول للمشاركةلا توجد مداخلات بعد. كن أول من يضيف مداخلة!