ابن القيم الجوزية
أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي الحنبلي (691 - 751 هـ / 1292 - 1350 م) المعروف باسم ابن قيم الجوزية أو أيضاً ابن القيم، هو فقيه ومحدث ومفسر وعالم مسلم مجتهد وإمام من أبرز أئمة المذهب الحنبلي في النصف الأول من القرن الثامن الهجري. نشأ ابن القيم حنبلي المذهب؛ فقد كان والده «أبو بكر بن أيوب الزرعي» قيماً على «المدرسة الجوزية الحنبلية»، وعندما شبَّ واتصل بشيخه ابن تيمية حصل تحول بحياته العلمية، فأصبح لا يلتزم في آرائه وفتاويه بما جاء في المذهب الحنبلي إلا عن اقتناع وموافقة الدليل من الكتاب والسنة، ثم على آراء الصحابة وآثار السلف، ولهذا يعده العلماء أحد المجتهدين.
ولد ابن القيم سنة 691هـ/ 1292م، في مدينة زرع فنشأ في مدينة دمشق، واتجه لطلب العلم في سن مبكرة، فأخذ عن عدد كبير من الشيوخ في مختلف العلوم، منها: التفسير والحديث والفقه والعربية، وكان ابن تيمية أبرز شيوخه، التقى به في سنة 712هـ/ 1313م، فلازمه حتى وفاته في سنة 728هـ/ 1328م، فأخذ عنه علماً جماً واتبع مذهبه ونصره وهذب كتبه، وبلغت مدة ملازمته له سبعة عشر عاماً تقريباً. وتولى ابن القيم الإمامة في «المدرسة الجوزية»، والتدريس في «المدرسة الصدرية» في سنة 743هـ.
سُجن ابن القيم مع شيخه ابن تيمية في شهر شعبان سنة 726هـ/ 1326م بسبب إنكاره لشد الرحال لزيارة القبور، وأوذي بسبب هذا، فقد ضُرب بالدرة (السوط) وشُهر به على حمار. وأُفرج عنه في يوم 20 ذو الحجة سنة 728هـ بعد وفاة ابن تيمية بمدة. ويذكر المؤرخون أنه جرت له مشاكل مع القضاة منها في شهر ربيع الأول سنة 746هـ بسبب فتواه بجواز إجراء السباق بين الخيل بغير محلل. وكذلك حصلت له مشاكل مع القضاة بسبب فتواه بمسألة أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة. توفي في 13 رجب سنة 751هـ وعمره ستون سنة، ودُفن بمقبرة الباب الصغير بدمشق.
سار ابن القيم على نهج شيخه ابن تيمية في العقيدة، وكان له آراء خاصة في الفقه وأصوله ومصطلح الحديث وغيرها من العلوم. واشتهر بمؤلفاته في العقيدة والفقه والتفسير والتزكية والنحو، إضافة إلى قصائده الشعرية.
كان لابن قيم الجوزية تأثير كبير في عصره، فيشير المؤرخون إلى أخذ الكثيرين العلم على يديه. وكذلك برز أثره إلى جانب شيخه ابن تيمية في أماكن متفرقة من العالم الإسلامي في وقت لاحق، فكانت حركة محمد بن عبد الوهاب التي ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري امتداداً لدعوة ابن تيمية، وكان محمد بن عبد الوهاب يعتني اعتناء كاملاً بكتبه وكتب ابن القيم، وكذلك الحال لدى محمد رشيد رضا. وفي شبه القارة الهندية برز أثر كتبهما أيضاً في كثير من طلبة العلم ونُشرت كتبهما على أيدي العلماء هناك.
نسبه
هو: «أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زين الدين». الزرعي نسبة إلى مدينة زرع (وهي تسمى اليوم إزرع) ثم الدمشقي الحنبلي. وقد جاء في كتاب «التاج المكلل» لصديق حسن خان القنوجي نسبته «الدرعي»، ويذكر بكر بن عبد الله أبو زيد أن هذا خطأ ولعله تطبيع، وجاء في كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير الدمشقي نسبة والده «الذرعي»، ويذكر أبو زيد أيضاً أن هذا خطأ ولعله تطبيع.
اشتهر شمس الدين محمد بلقب ابن قيم الجوزية ويُختصر فيقال ابن القيم، وتتفق كتب التراجم أن سبب شهرته بهذا الاسم هو أن والده «أبا بكر بن أيوب الزرعي» كان قيماً على «المدرسة الجوزية» الواقعة بمدينة دمشق مدة من الزمن، فاشتهر بعد ذلك بلقب «قيم الجوزية» واشتهرت من بعده ذريته بهذا الاسم. وقد درج المترجمون له وفيهم تلامذته على هذا الاسم «ابن قيم الجوزية». ومنهم ابن رجب الحنبلي والصفدي وابن كثير والذهبي. واختصار اسمه بقول ابن القيم فهو شائع والأكثر اشتهاراً اليوم. وقد كان مشهوراً عند بعض العلماء المتأخرين كابن حجر العسقلاني وجلال الدين السيوطي.
عائلته
عائلة «آل القيم» عائلة علمية، فوالده هو «أبو بكر بن أيوب بن سعد الزرعي» الذي كان قيماً على «المدرسة الجوزية» بدمشق، وقد كان هو نفسه أحد معلمي ابنه وشيوخه، فقد أخذ منه ابنه ابن القيم علم الفرائض. وأخوه هو «أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب الزرعي» ولد سنة 693هـ أي أنه أصغر من ابن القيم بنحو سنتين، وقد كان هو الآخر عالماً، وقد كان ابن رجب أحد تلامذته، وقد تفرد بالرواية عن شيخه «الشهاب العابر». ومن عائلته أيضاً ابن أخيه «عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن زين الدين عبد الرحمن» الذي اقتنى أكثر مكتبة عمه ابن القيم، وتوفي سنة 799هـ. ومن أبنائه الذين تُرجم لهم، ابنه «شرف الدين، وجمال الدين عبد الله» وقد كان عالماً وخطيباً، وقد درس في المدرسة الصدرية عقب وفاة والده، توفي شاباً في سنة 756هـ وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وابنه «برهان الدين إبراهيم»، وقد أفتى ودرس بالمدرسة الصدرية، وقد كان عارفاً بالنحو وله شرح لألفية ابن مالك سماه «إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك». وكانت وفاته سنة 767هـ.
طلبه للعلم
شرع ابن القيم في طلب العلم في سن مبكرة وعلى وجه التحديد في السابعة من عمره كما يذكر المؤرخون. سمع من عدد كبير من الشيوخ، منهم والده «أبو بكر بن أيوب» فأخذ عنه الفرائض، وأخذ عن «ابن عبد الدائم»، وعن «أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية» أخذ التفسير والحديث والفقه والفرائض والأصلين: (أصول الدين وأصول الفقه)، وعلم الكلام، وقد لازمه منذ قدوم ابن تيمية إلى مدينة دمشق سنة 712هـ/1313م حتى توفي سنة 728هـ/1328م، وعلى هذا تكون مدة ملازمته ودراسته على ابن تيمية سبعة عشر عاماً تقريباً، وذكر صلاح الدين الصفدي جملة من الكتب التي قرأها ابن القيم على ابن تيمية فقال: «قرأ عليه قطعة من المحرر لجده المجد» وقرأ عليه من المحصول، ومن كتاب الأحكام للسيف الآمدي، وقرأ عليه قطعة من الأربعين والمحصل، وقرأ عليه كثيراً من تصانيفه».
وسمع من «الشهاب العابر أحمد بن عبد الرحمن النابلسي» في سن جد مبكرة، في السادسة أو السابعة من عمره. وعن «ابن الشيرازي» الذي لم يذكر المترجمون نسبه، فيذكر بعضهم أن المقصود هو «المسند زيد الدين إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الشيرازي»، ويذكر آخرون أن المقصود هو «كمال الدين أحمد بن محمد بن الشيرازي». وسمع من «المجد الحراني» وأخذ عنه الفقه وقرأ عليه «مختصر أبي القاسم الخرقي» وكتاب «المقنع» لابن قدامة وأخذ عنه الأصول وقرأ عليه أكثر «الروضة» لابن قدامة. وسمع من «إسماعيل أبي الفداء بن يوسف بن مكتوم القيسي»، و«أيوب زين الدين بن نعمة الكحال»، و«البهاء بن عساكر»، و«الحاكم سليمان تقي الدين بن حمزة بن قدامة المقدسي»، وأخذ الفقه عن «شرف الدين بن تيمية»، و«علاء الدين الكندي الوداع»، وسمع من «عيسى شرف الدين بن عبد الرحمن المطعم»، و«فاطمة أم محمد بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي»، وقرأ العربية على «مجد الدين التونسي»، و«بدر الدين بن جماعة»، وأخذ العربية والفقه عن «محمد شمس الدين بن أبي الفتح البعلبكي»، فقرأ عليه «الملخص» لأبي البقاء و«الجرجانية» و«ألفية ابن مالك» وأكثر «الكافية الشافية» وبعض «التسهيل»، و«محمد بن شهوان»، و«شمس الدين الذهبي»، و«صفي الدين الهندي» فأخذ عنه الأصلين (أصول الفقه والتوحيد)، وقرأ عليه في أكثر «الأربعين» و«المحصل»، و«أبي المعالي محمد بن علي الزملكاني»، و«ابن مفلح» وكان ابن القيم يراجعه في كثير من مسائله واختياراته، و«جمال الدين المزي» وكان ابن القيم يعتمده وينقل عنه في كثير من كتبه خاصة في الحديث ورجاله معبراً عنه بلفظ «شيخنا»، وسمع من «محمد بن عثمان الخليلي»، ومن «عز الدين عبد العزيز ابن جماعة».
سيرته
تولّيه التدريس
يذكر المترجمون لابن القيم إمامته «بالمدرسة الجوزية»، فيقول ابن كثير عنه: «هو إمام الجوزية وابن قيمها». ويفيد ابن كثير أيضاً في سرده لوقائع سنة 736هـ خطابة ابن القيم في أحد جوامع دمشق فيقول: «وفي سلخ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين ابن خليخان تجاه باب كيسان من القبلة وخطب فيه الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية». ويذكر ابن بدران أن ابن القيم أول من خطب به.
لا تذكر كتب التراجم تاريخ تولي ابن القيم التدريس بالتحديد، إلا أن تلميذه ابن رجب ذكر أن تولّيه التدريس كان منذ حياة شيخه ابن تيمية فيقول: «وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه إلى أن مات، فانتفعوا به وكان الفضلاء يعظمونه ويتتلمذون عليه كابن عبد الهادي وغيره».
يذكر عدد من المؤرخين ومنهم تلامذته ابن كثير، وابن رجب والذهبي أن ابن القيم درس «بالمدرسة الصدرية»، ويفيد ابن كثير عن تاريخ تدريسه بها في حوادث سنة 743هـ فيقول: «وفي يوم الخميس درس بالصدرية صاحبنا الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي إمام الجوزية». ويفيد الحافظ السخاوي أن ابن القيم انتفع به الأئمة ودرس بأماكن، ولكنه لم يفصل.
اتصاله بابن تيمية
لازم ابن القيم شيخه ابن تيمية من سنة 712هـ/1313م حتى وفاته في سنة 728هـ/1328م.
كان لابن تيمية تأثير كبير على ابن القيم، وله أثر واضح في ثقافته وتكوين مذهبه، واعتنى المؤرخون بالوقت الذي التقيا به، فحددوه في سنة 712هـ/1313م، وهي السنة التي رجع فيها ابن تيمية من مصر إلى دمشق، فلازم ابن القيم مجلسه من ذاك العام حتى وفاته في سنة 728هـ/1328م، فأخذ عنه علماً جماً واتسع مذهبه ونصره، وهذب كتبه، وقد كانت مدة ملازمته له سبعة عشر عاماً تقريباً. يقول ابن حجر العسقلاني في ذلك: «وهو الذي هذّب كتبه - أي كُتب ابن تيمية - ونشر علمه، وكان ينتصر له في أغلب أقواله». ويقول ابن كثير في حديثه عن ابن القيم: «ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين، ولما عاد الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علماً جماً، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريداً في بابه في فنون كثيرة..»
ذكر ابن القيم في منظومته «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» والتي تسمى «نونية ابن القيم»، ما يقوله الأشاعرة وغيرهم في الصفات والتأويلات، ثم عقد فصلاً ذكر فيه أنه هو أيضاً كان يتبع أقوالهم ويقول مثل قولهم، ويذكر بكر بن عبد الله أبو زيد مستدلاً بهذه الأبيات، أن ابن القيم تاب على يد ابن تيمية، فيقول: «ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية بعض ما يقوله الأشاعرة وغيرهم في الصفات من التأويلات، وبعض ما في كتب النفاة من الطامات، وبين ضررهم على الدين ومناهضتهم لنصوص الكتب والسنة. ثم عقد فصلاً أعلن فيه أنه قد وقع في بعض تلك المهالك، حتى أتاح له الإله من أزال عنه تلك الأوهام، وأخذ بيده إلى طريق الحق والسلامة، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى». وقد قال «سيد حسين العفاني» أيضاً بمثل قول بكر بن عبد الله أبي زيد. وفي المقابل يذكر آخرون مثل «صالح بن أحمد الشامي» أن القضية هنا هي تكون إطار الاجتهاد أو تصحيح المسار ومثل هذا لا يعد ذنباً، والانتقال إليه لا يسمى توبة، فيقول معلقاً على كلام بكر أبي زيد قائلاً: «ولم أر من المترجمين لابن القيم من ذكر هذا الموضوع أو أشار إليه، بحسب اطلاعي المتواضع. والتوبة - بمعناها الخاص - تكون بعد الذنب المتعارف عليه أنه ذنب، ووضعها عنواناً لهذا الأمر لا يتناسب مع مكانة ابن القيم - مع تقديري الكبير للشيخ بكر- وإن كل إنسان مهما كان شأنه عرضة للوقوع في الذنب. وليس في هذه الأبيات وكذلك الأبيات بعدها ذكر للتوبة. وإنما القضية هنا تكون في إطار تغير الاجتهاد أو تصحيح المسار، ومثل هذا لا يعد ذنباً، والانتقال إليه لا يسمى توبة... والأبيات في الحقيقة هي تسجيل لفضل شيخ الإسلام على ابن القيم في إيضاح بعض مسائل العقيدة، والدعوة إلى التزام الكتاب والسنة، كما في الأبيات التي بعدها...» فيقول ابن القيم في نونيته:
يا قَومِ واللهِ العظيمِ نصيحةً
مِن مُشفقٍ وأخٍ لكُم مِعْوانِ
جَرَّبتُ هذا كلَّه ووَقَعتُ في
تِلكَ الشِّباكِ وكُنتُ ذا طَيَرانِ
حتى أتاحَ ليَ الإلهُ بفَضْلهِ
مَن ليسَ تَجْزِيهِ يَدِي ولساني
حَبْرٌ أتَى من أرضِ حَرَّانَ فَيا
أهلًا بمَن قد جاءَ مِن حَرَّانِ
فاللَّهُ يَجْزِيهِ الذي هوَ أهلُهُ
مِن جَنَّةِ المَأوى معَ الرِّضْوانِ
أخذَت يَداهُ يدِي وسارَ فلَم نَرِمْ
حتَّى أَرَاني مَطلَعَ الإيمانِ
ورأيتُ أعلامَ المَدينةِ حَولَها
يَزَكُ الهُدى وعَساكرُ القُرآنِ
ورَأيتُ آثارًا عَظيمًا شأنُها
مَحْجُوبةً عَنْ زُمْرَةِ العُمْيانِ
وقد جاء في كتاب «توضيح المقاصد شرح الكافية الشافية نونية ابن القيم» «لأحمد بن إبراهيم بن عيسى» الذي شرح فيه نونية ابن القيم بعدما استعرض الأبيات السابقة: «ثم بين أنه قد جرب ذلك، وأنه وقع في بعض تلك الشباك والمصائد، حتى أتاح له المولى بفضله، من أوضح له تلك الشبه وأزاح عنه تلك الشكوك، وهو شيخ الإسلام».
وقد حصل لابن القيم بسبب اتصاله بابن تيمية، ونصره لمذهبه وتمسكه به، كثير من المضايقات؛ فقد حبس، وأنكر عليه بعض الفقهاء في عدد من المسائل التي انتصر فيها لرأي ابن تيمية. فقد حبس معه في حبسه الأخير الذي توفي فيه، ويذكر ابن حجر أنه اعتقل بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروباً بالدرة، ولم يفرج عنه إلا بعد وفاة ابن تيمية.
يقول بكر بن عبد الله أبو زيد: «وكما احتفى بشيخه وعلومه حال حياته وأخلص في محبته وولائه فقد كان خليفته الراشد بعد وفاته، فتلقف راية التجديد وثبت على جادة التوحيد: بنشر العلم، وبرد الخلف إلى مذهب السلف؛ فاتسعت به دائرة المدرسة السلفية، وانتشر روادها في كل ناحية وصقع. وكان من حفاوته بشيخه (شيخ الإسلام) أن دون في ثنايا كتبه جملاً من مواقفه، وسؤالاته له، وأسئلة غيره له، وطائفة من أحواله ومرائيه واختياراته. مما لو استل من مؤلفات ابن القيم لظهر في مجلدة لطيفة ترفل بعزيز الفوائد ولطائف العلم. والله أعلم».
مسألة شد الرحال لزيارة القبور
أنكر ابن القيم شد الرحل لزيارة قبر النبي إبراهيم (الخليل)، فأوذي بسبب هذا وسجن يقول الذهبي: «وقد حُبس مدة وأوذي لإنكاره شد الرحل إلى قبر الخليل». ويذكر بعض المؤرخين أن هذه السجنة هي نفسها التي سُجن فيها مع شيخه ابن تيمية، فقد اعتقل ابن تيمية في يوم 16 شعبان سنة 726هـ، وذلك بسبب ما أفتى به من المنع من شد الرحل إلى قبور الأنبياء، ويذكر ابن كثير الأحداث التالية لحبس ابن تيمية، أنه في منتصف شهر شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي بحبس جماعة من أصحابه في سجن الحكم، وعزر جماعة منهم على دواب ونودي عليهم، ثم أطلقوا، سوى ابن القيم فإنه حبس في القلعة وسكتت القضية. فكان سبب سجن ابن القيم هو نفس السبب الذي سجن من أجله ابن تيمية، فسُجن بجانبه في القلعة، ولكنه كان منفرداً عنه.
ويذكر تقي الدين المقريزي ملابسات هذه الواقعة بتوسع وأن ابن القيم ضُرب قبل أن يحبس فيقول: «وفي يوم الاثنين سادس شعبان - يعني سنة 726هـ - حُبس تقي الدين أحمد بن تيمية، ومعه أخوه زين الدين عبد الرحمن بقلعة دمشق. وضُرب شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، وشُهر به على حمار بدمشق. وسبب ذلك: أن ابن قيم الجوزية تكلم بالقدس في مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء، وأنكر مجرد القصد للقبر الشريف دون قصد المسجد النبوي، فأنكر المقادسة عليه مسألة الزيارة، وكتبوا فيه إلى قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من قضاة دمشق. وكان قد وقع من ابن تيمية كلام في مسألة الطلاق بالثلاث: أنه لا يقع بلفظ واحد، فقام عليه فقهاء دمشق، فلما وصلت كتب المقادسة في ابن القيم، كتبوا في ابن تيمية وصاحبه ابن القيم إلى السلطان، فعرف شمس الدين الحريري -قاضي القضاة الحنفية بديار مصر- بذلك، فشنع على ابن تيمية تشنيعاً فاحشاً، حتى كتب بحبسه، وضُرب ابن القيم». وقد ظل ابن القيم محبوساً، ولم يفرج عنه إلا بعد وفاة ابن تيمية، وذلك أن ابن تيمية توفي في محبسه بالقلعة في 20 ذو القعدة سنة 728هـ، وأفرج عن ابن القيم في يوم الثلاثاء 20 ذو الحجة.
مسألة المسابقة بغير محلل
رأى ابن القيم جواز إجراء السباق بين الخيل بغير محلل، وصنف في ذلك مصنفاً اسمه «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال»، وأفاض فيها في كتابه «الفروسية»، ونصر فيها رأي شيخه ابن تيمية، وخالف قول الأئمة الأربعة حيث اشترطوا المحلل في السباق. فأنكر عليه السبكي ذلك، ويذكر ابن حجر العسقلاني أنه جرى له بسبب بهذه الفتوى أمور مع السبكي وغيره وأنه قد رجع عن هذه الفتوى، فقال: «وجرت له محن مع القضاة، منها: في ربيع الأول - يعني سنة 746هـ - طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل، فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يُفتي به من ذلك».
وحكى ابن كثير هذه الحادثة، وذكر ما يفيد أن ابن القيم كان يفتي في ذلك برأي شيخه ابن تيمية، وأنه صنف مصنفاً لنصرة رأي ابن تيمية، ثم صار يفتي به دون نسبته إلى ابن تيمية فاعتقدوا أنه قوله، فيقول ابن كثير في حوادث سنة 746هـ: «ووقع كلام في اشتراط المحلل في المسابقة، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صنف فيه مصنفاً من قبل ذلك، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ثم صار يفتي فيه جماعة من الترك ولا يعزوه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنه قوله، وهو مخالف للأئمة الأربعة، فحصل عليه إنكار في ذلك، وطلبه القاضي الشافعي، ويحصل كلام في ذلك، وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية الموافقة للجمهور».
وقد شكك بكر بن عبد الله أبو زيد في رجوعه عن فتواه: «وقضية الرجوع محل نظر، فلا بد من تثبيت ذلك، وأرجو من الله تعالى أن يمن علي بما يدل على ذلك، نفياً أو إثباتاً». ويذكر بعض المؤرخين الآخرين في الزمن الحاضر ذلك أيضاً، بدليل أنه ذكر المسألة في كتابه «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ولم يذكر أنه رجع عن رأيه.
وفاته
تتفق كتب التراجم أن ابن القيم توفي في ليلة الخميس 13 رجب سنة 751هـ وأذان العشاء، وهو في عمر الستين سنة. وقد ذكر ذلك من المترجمين ابن رجب، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني.
وقد ذكر مترجمون آخرون تاريخاً مختلفاً. مثل حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون عند ذكر كتاب ابن القيم «أمثال القرآن» فقيده في سنة 754هـ. وفي سائر المواضع من الكتاب قيده سنة 751هـ. ويذكر بكر أبو زيد أنه أخطأ في هذا. وذكر السفاريني أن عمره اثنتان وستون سنة، ويذكر بكر بن عبد الله أبو زيد أن الصواب هو ستون سنة هجرية.
صُلي عليه في اليوم التالي بعد صلاة الظهر في «الجامع الأموي» ثم «بجامع جراح»، وازدحم الناس على تشييع جنازته، يقول ابن كثير: «وقد كانت جنازته حافلة رحمه الله تعالى، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة. وتزاحم الناس على حمل نعشه، وكمل من العمر ستون سنة رحمه الله». ودفن بدمشق بمقبرة الباب الصغير بجانب والدته.
وحُكي عنه قبل موته بمدة أنه رأى شيخه ابن تيمية في المنام وأنه سأله عن منزلته - أي منزلة ابن تيمية -، فقال إنه أنزل فوق فلان - وذكر اسم أحد العلماء -، وقال له وأنت كدت تلحق به ولكن أنت في طبقة ابن خزيمة.
شخصيته وصفاته
يقول ابن كثير: «وكان حسن القراءة والخلق كثير التودد، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد وبالجملة كان قليل النظر في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق والفضيلة». ويقول أيضاً معتزاً بصحبته ومحبته له: «وكنت من أصحب الناس له وأحب الناس إليه». ويقول ابن رجب: «وكان رحمه الله تعالى ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر. وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار والافتقار إلى الله والانكسار له، والإطراح بين يديه على عتبة عبوديته لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علماً ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان أعلم منه وليس هو المعصوم ولكن لم أر في معناه مثله».
زهده وعبادته
ذكر أقرانه من العلماء أنه كان كثير العبادة شديد الورع، فقال ابن كثير: «لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكان له طريقة في الصلاة يطيلها جداً، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع، ولا ينزع عن ذلك رحمه الله تعالى»، وأورد له ابن حجر أبياتاً في تضرعه إلى الله وهي:
بني أبى بكر كثير ذنوبه
فليس على من نال من عرضه إثم
بني أبى بكر غدا متصدراً
تعلم علماً وهو ليس له علم
بني أبى بكر جهول بنفسه
جهول بأمر الله أنى له العلم
بني أبى بكر يروم ترقياً
إلى جنة المأوى وليس له عزم
بني أبى بكر لقد خاب سعيه
إذا لم يكن في الصالحات له سهم
اهتمامه بالكتب
تحدثت مصادر ترجمة ابن القيم عن اشتهاره بحب الكتب وجمعها، حتى تكونت لديه مكتبة كبيرة، يقول ابن كثير: «واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشره، من كتب السلف والخلف». وقال ابن رجب: «وكان شديد المحبة للعلم... واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره». ويقول ابن حجر العسقلاني: «وكان مُغْرىً بجمع الكتب، فَحَصَّل منها ما لا يُحْصَر. وقد خلف ابن القيم مكتبة كبيرة جداً، فيذكر ابن حجر أن أولاده ظلوا دهراً يبيعون منها بعد موته، سوى ما اصطفوه لأنفسهم». وقد اقتنى ابن أخيه «عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن زين الدين عبد الرحمن» أكثر كتبه.
مذهبه الفقهي
تصف معظم كتب التراجم مذهب ابن القيم بالحنبلي، وذلك لأنه نشأ في مدارس هذا المذهب، بالإضافة إلى أن أسرته كانت تتمذهب به، وقد كان والده أبو بكر الزرعي قيماً على «المدرسة الجوزية». ولكن ابن القيم بعدما شبَّ واتصل بشيخه ابن تيمية، حصل تحول بحياته العلمية، لا بمعنى تركه المذهب، وإنما أصبح يُعنى بالدليل من الكتاب والسنة، ويتبعه حتى لو كان ذلك مخالفاً لمذهبه.
وقد كان يحث على هذا الطريق، فيقول في كتابه «مدارج السالكين»: "فيا أيها القارئ له، لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه، لك ثمرته وعليه تبعته، فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله، بل انظر إلى ما قال، لا إلى من قال، وقد ذمَّ الله تعالى من يردُّ الحق إذا جاء به من يبغضه، ويقبله إذا قاله من يحبه. فهذا خلق الأمة الغضبية، قال بعض الصحابة: اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضاً، ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيباً."
ويقول في كتابه «أعلام الموقعين عن رب العالمين»: "ليحذر المفتي -الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه- أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلاً، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه؛ فيكون خائناً لله ورسوله وللسائل وغاشاً له، والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة، والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيراً من ترد المسألة، نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح ونرجحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وبالله التوفيق."
يعده بعض العلماء حنبلياً لا يخرج به عن دائرة المذهب، وبعضهم يعده مجتهداً في المذهب، وبعضهم يعده مجتهداً مطلقاً. يقول ابن العماد الحنبلي في ترجمته له: "الفقيه الحنبلي بل المجتهد المطلق." ويقول الشوكاني في ترجمته: "شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي، العلامة الكبير، المجتهد المطلق، المصنف المشهور." وقال ابن بدران في منادمة الأطلال: "وترجمه العدوي، فقال: هو المجتهد المطلق، المفسر، المتفنن في علوم عديدة."
آراؤه ومواقفه
الأسماء والصفات
يرى ابن القيم أن السلف هم أفضل الناس مذهباً، وأن مذهبهم هو خير المذاهب وأسلمها. وأن السبب في تقهقر المسلمين وضعفهم وتسلط عدوهم عليهم ما أحدثوه من بدع ومذاهب فرقت كلمتهم. وأن منهج السلف هو الإقرار بكل ما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسوله. بما في ذلك الصفات التي أنكرها المتكلمون. فيذكر أن التأويل مخالف لمذهب السلف قائلاً: "والحال في هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص، وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستكرهات التأويلات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف."
كما ركز على ذم منهج المشبهة، حيث يُثبت لله ما جاء في القرآن والسنة النبوية من أسماء وصفات من غير تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل، فيقول:
نَصِفُ الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل نثبت له سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقات؛ إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو ما وصفه به رسوله تشبيهاً، فالمشبّه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً صمداً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
التصوف
التصوف عند ابن القيم هو الزهد وتزكية النفس وتهذيبها من محبة الله وخشيته وتقواه لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى. وأن التصوف الحق هو العمل بالسنة واتباع ما أنزل الله على رسوله، ومصادره عنده القرآن والسنة وأقوال الصحابة وأفعالهم التي تدعو إلى الزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة. كما اعتدَّ بما سمعه من شيخه ابن تيمية في ذلك، فيقول: "والمعصوم من عصمه الله، فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء، ولقد شاهدت ذلك من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء." كما استأنس بأقوال الأئمة السابقين في ذلك مثل الجنيد وذي النون المصري وسفيان الثوري وابن حنبل والهروي وغيرهم.
وقد قسَّم الصوفية إلى ثلاثة أقسام مثلما قسّمها شيخه ابن تيمية، فقسمهم إلى: صوفية الحقائق وهم الزهَّاد الحكماء المُتبعون لسنة النبي، وصوفية الأرزاق الذين يتخذون التصوف حرفة لكسب الرزق، وصوفية الرسم وهم المقتصرون على النسبة للصوفية في اللباس والآداب الوضعية، وقد أنكر عدداً من البدع التي وقع فيها المتنسبون للتصوف مثل: القول بوحدة الوجود مثل ابن عربي والحلاج، والقول بسقوط التكليف، والتفرقة بين الحقيقة والشريعة، وتحكيم الذوق ورفض العلم، والتعبّد بما لم يُشرِّع الله. ومما قاله عن ذلك: "حتى قيل لبعض من زعم أنه ذاق ذلك: قم إلى الصلاة، فقال: يطالب بالأوراد من كان غافلاً وكيف بقلب كل أوقاتِه وردُ؟ فمن لم ير القيام بالفرائض إذا حصلت له الجمعية - يعني: اجتماع القلب - فهو كافر منسلخ من الدين، ومن عطل لها مصلحةً راجحة كالسنن الرواتب، والعلم النافع، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنفع العظيم المتعدي، فهو ناقص، أي: أن فعله ناقص وفيه خلل."
في مصطلح الحديث
قسّم ابن القيم الحديث المتواتر إلى متواتر لفظاً ومعنىً، ومتواتر معنى، وإن لم يتواتر لفظه. فأشار إلى ذلك قائلاً: "كالأخبار الواردة في عذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ورؤية الرب تعالى، وتكليمه عباده يوم القيامة. ونحو ذلك: - مما يُعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ جاء بها. فإنه ما من باب من هذه الأبواب، إلا وقد تواتر فيها المعنى المقصود عن النبي ﷺ تواتراً معنوياً. ممتنع في مثلها - في العادة - التواطؤ على الكذب عمداً أو سهواً"، أما خبر الآحاد فمذهبه أنه يفيد العلم، موافقاً لمذهب أهل الحديث ومخالفاً لأهل الكلام، ويشترط في أخبار الآحاد أن تكون مروية بنقل العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن مثله، حتى تنتهي إلى النبي.
أما الحديث الصحيح فقد تناول ابن القَيِّم شروط الحديث الصحيح في عدة مناسبات، وبين أن الحديث لا يصح إلا بتوافر هذه الأمور، فقال: "فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمورٍ، منها: صحة سنده، وانتفاء عِلَّتِهِ، وعدم شذوذه ونكارته، وأن لا يكون راويه قد خالف الثقات أو شَذَّ عنهم"، كما كان يُفرِّق بين قولهم «حديث صحيح» و«إسناده صحيح»، فيقول: "ومن له خبرة بالحديث يُفَرِّقُ بين قول أحدهم: هذا حديث صحيح، وبين قوله: إسناده صحيح. فالأول: جَزْمٌ بصحة نسبته إلى رسول الله ﷺ، والثاني: شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علةٌ أو شذوذ، فيكون سنده صحيحاً، ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه". أما الحديث الحسن فيرى أنه على مراتب منها ما يقارب الصحيح ومنها ما يقارب الضعيف. أما الحديث المرسل فذهب إلى قبوله إذا توافرت فيه عدة شروط، فقال: "الْمُرْسَلُ: إذا اتصَّل به عملٌ، وعضده قياسٌ، أو قول صحابي، أو كان مُرْسِلُه معروفاً باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته: عُمِلَ به وأيضاً: فقد عضده شواهد أخر."
في أصول الفقه
يرى ابن القيم أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة هي الأصل الأول للاستنباط التي لا ينبغي تجاوزها إلى ما سواها ما لم يجد الحكم الفقهي فيها، وأنه ليس في السنة الصحيحة ما يعارض القرآن من أي وجه، بل يقسّم السنة إلى سنة موافقة شاهدة بنفس ما جاء في القرآن، وسنة مُفسرة، وسنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب. فالسنة قد تزيد على القرآن، وهذه الزيادة من الدين لا يسع أحداً رفضها فيقول: "وليس هذا تقديماً لها على الكتاب بل امتثالاً لما أمر الله به من طاعة رسول الله"، كما يرى أن الأحاديث الصحيحة لا تتعارض فيما بينها؛ فإذا كان هناك تعارض في الظاهر كان مرجعه إلى ثلاثة احتمالات: أنه ليس بحديث، أو أن أحدهما ناسخ للآخر، أو أن التعارض في فهم السامع لعدم قدرته على الفهم لا في الحقيقة.
أما عمل أهل المدينة فيأخذ به إذ لم يخالف السنة الصحيحة. كما يأخذ بالإجماع ويعتبره حجة؛ ولكنه استبعد ادعاء معرفته، فيقول: "فإن علم المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة أسهل بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم." وقال: "ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب والسنة على الإجماع، وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة."
كما يرى الأخذ بفتوى الصحابة وفتوى التابعين فيُفصَّل في ذلك قائلاً: "جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوي الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب." ومن الأصول الشرعية التي يعتمد عليها القياس، وقد ذكر أقسامه ورد على شُبه المنكرين له في كتاب أعلام الموقعين. ويأخذ بالاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع كسائر الحنابلة. كما يعتمد العُرف ويأخذ منه الأحكام.
الحسن والقبح العقليان
ناقش ابن القيم مسألة الحسن والقبح العقليين أكثر من مرة في كتبه مثل: مدارج السالكين وشفاء العليل ومفتاح دار السعادة، وانتهى إلى أن حُسْن الأشياء وقُبْحها، والثواب عليها والعقاب يعرف من جهة العقل دون ترتيب ثواب أو عقاب على ذلك، بينما التكليف لا يكون إلا بعد بعثة الرسل ونزول الأمر الإلهي. فيقول: "إنّ الكذب لا يكون قط إلاّ قبيحاً، إنّ تخلّف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجحة على الصدق لا تخرجه عن كونه قبيحاً لذاته". وقال: "وأنه - أي الشرع - لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به، فالشرائع جاءت بمحارات العقول لا محالاتها، وفرق بين ما لا تُدرك العقولُ حسنه وبين ما تشهد بقبحه، فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني".
بطلان الحيل
اهتم ابن القيم بذكر مسألة بطلان الحيل اهتماماً شديداً، حيث ذكرها في كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين في أكثر من 300 صفحة، وكررها في كتاب إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان في نحو 200 صفحة. ذكر فيها بطلان الحيل والخداع التي أخرجها الناس باسم الدين ثم يقول في النهاية:
ولعلك تقول: قد أطلت الكلام في هذا الفصل جداً، وقد كان يكفي الإشارة إليه، فيقال بل الأمر أعظم مما ذكرنا وهو بالإطالة أجدر، فإن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين أهل المكر والمخادعة والاحتيال في العمليات وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة في العلميات، وكل فساد في الدين والدنيا فمنشؤه من هاتين الطائفتين، فبالتأويل الباطل قُتِلَ عثمان رضي الله عنه، وعاثت الأمة في دمائها، وكفر بعضها بعضاً، وتفرقت على بضع وسبعين فرقة، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء، وخداع هؤلاء، ومكرهم ما جرى، واستولت الطائفتان وقويت شوكتهما، وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم، ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه ويبين أعلامه وحقائقه لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده.
مسألة بقاء النار وفنائها
ذكر ابن القيم في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح مسألة بقاء النار وفنائها، حيث جمع أقوال المؤيدين والمعارضين لهذه المسألة، وأشار إلى أن ابن تيمية قد حكى بعض هذه الأقوال. وابن القيم له قولان في هذه المسألة، حيث مال إلى القول بفناء النار، وقواه وأيده بالأدلة في حادي الأرواح وشفاء العليل، ثم قال بأبدية النار وعدم فنائها في كتابيه الوابل الصيب من الكلم الطيب وطريق الهجرتين وباب السعادتين. فقال في الوابل الصيب: "وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء المتراكب بعضه على بعض ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث، ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، كانت دُورُهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض."
تلاميذه
يشير الحافظ ابن رجب إلى أخذِ الكثيرِ العلمَ من ابن القيم وتتلمذهم على يديه، وبين تأثيره في عصره، فيقول: "وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاءُ يعظمونهُ ويتتلمذون له." ومن أشهر تلاميذه:
- ابنه برهان الدين إبراهيم.
- ابنه شرف الدين وجمال الدين عبد الله.
- الحافظ ابن رجب الحنبلي.
- ابن عبد الهادي.
- محمد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي الحنبلي.
- محمد بن محمد بن محمد بن الخضر الغزي الشافعي.
- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي.
- محمد بن محمد القرشي المقري التلمساني.
- صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي.
- زين الدين علي بن الحسين بن علي الكناني الحنبلي.
امتداد تأثيره
برز أثر ابن القيم وأثر كتبه إلى جانب تأثير شيخه ابن تيمية مترابطين ببعضهما البعض، في أماكن متفرقة من العالم الإسلامي، فتذكر المصادر أن حركة محمد بن عبد الوهاب، التي ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري، امتداد لدعوة ابن تيمية، وأن محمد بن عبد الوهاب اعتنى بكتبه وكتب تلميذه ابن القيم اعتناء كاملاً. وكذلك بالنسبة لـمحمد رشيد رضا فيذكر عنه أنه اعتنى بكتبهما، وتأثر بهما تأثراً بالغاً، ودافع عن كل دعوة سلفية في مراحل التاريخ الإسلامي ككل، فدافع عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بكل قوة، ونهج منهجهما في كثير من آرائه وأفكاره، وتأثر بكثير من مواقفهما الدينية سواء في نواح عقائدية بحتة أو في نواح فقهية اجتهادية متنوعة.
وفي شبه القارة الهندية برز أيضاً أثر ابن القيم وأثر كتبه إلى جانب ابن تيمية، فيذكر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي أن الشاه ولي الله الدهلوي الذي ظهر في القرن الحادي عشر الهجري ودرس في المدينة المنورة وأخذ علم الحديث عن علمائها، اطلع هناك على كتب ابن تيمية وابن القيم، وأثرت كتب ابن تيمية في كتاباته. وكذلك النواب صديق حسن خان القنوجي البخاري فيذكُر الفريوائي أنه أشاد بذكر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وعلومهما كما نقل عنهما في مؤلفاته، وعدهما في مجددي هذه الأمة اللذين ليس لهما نظير في تاريخ الإسلام. وكذلك الحال بالنسبة لأفراد «الأسرة الغزنوية» التي خرج منها عبد الله بن محمد الغزنوي، وأبنائه محمد وعبد الجبار وعبد الرحيم وعبد الواحد الذين قاموا جميعاً بنشر كتب ابن تيمية وكتب ابن القيم حيث نشروا «مجموعة التوحيد» و«مجموعة الحديث النجدية» وفيها مؤلفات ابن تيمية وابن القيم. وقد كان عبد الرحمن المباركفوري ومحمد شمس الحق العظيم آبادي ينقلون من كتب ابن تيمية وتلاميذه ومن بينهم ابن القيم.
مؤلفاته
ألف ابن القيم العديد من المصنفات، واشتهرت مصنفاته شهرةً كبيرة، يقول ابن حجر العسقلاني: "وكلُّ تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف". وكان تصنيفه في أنواع مختلفة من العلوم الإسلامية، يقول ابن رجب الحنبلي: "وصنف تصانيف كثيرة جداً في أنواع العلم". وقد عدَّها بكر بن عبد الله أبو زيد 98 مؤلفاً. أشهرها:
- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.
- الاجتهاد والتقليد.
- أحكام أهل الذمة.
- أسماء مؤلفات ابن تَيْمِيَّة.
- أصول التفسير.
- الإعلام باتساع طرق الأحكام.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين.
- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.
- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان.
- اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر.
- الأمالي المكية.
- أمثال القرآن.
- بدائع الفوائد.
- بطلان الكيمياء من أربعين وجهاً.
- بيان الاستدلال على بطلانِ اشتراط مُحَلِّلِ السِّبَاقِ والنِّضَالِ.
- التبيان في أقسام القرآن.
- التَّحْبِيرُ لِمَا يِحِلُّ وَيحرمُ مِن لِبَاسِ الْحَرِير.
- التحفة الْمَكِّيَّة.
- تحفة المودود بأحكام المولود.
- تحفة النازلين بجوار رب العالمين.
- التعليق على الأحكام.
- تفسير الفاتحة.
- تفضيل مكة على المدينة.
- تهذيب مختصر سنن أبي داود.
- الجامع بين السنن والآثار.
- جلاء الأفهام في فضائل الصلاة والسلام على خير الأنام.
- جوابات عابدي الصُّلْبَان، وأن ما هم عليه دين الشيطان.
- الجواب الكافي لمن سأل عن ثمرة الدعاء إذا كان ما قدر واقع.
- الجواب عن علل أحاديث الفطر بالحجامة.
- الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء.
- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
- الحامل: هل تحيض أم لا؟.
- حكم إغمام هلال رمضان.
- حكم تارك الصلاة.
- حكم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العَطِيَّة.
- رسالة إلى بعض إخوانه.
- الرِّسَالة التَّبُوكِيَّة.
- الرسالة الْحَلَبِيَّة في الطريقة الْمُحَمَّدِيَّة.
- الرسالة الشافية في أسرار المعوذتين.
- رفع اليدين في الصلاة.
- روضة المحبين ونزهة المشتاقين.
- الروح.
- الروح والنفس.
- زاد المسافرين إلى منازلِ السعداءِ في هَدي خاتم الأنبياء.
- زاد المعاد في هدي خير العباد.
- شرح أسماءِ الكتابِ العزيزِ.
- شرح الأسماء الحسنى.
- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
- الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم.
- الطاعون.
- الطب النبوي.
- طريق الهجرتين وباب السعادتين.
- الطُّرُقُ الْحُكْمِيَّة في السِّياسَة الشَّرعية.
- عِدَةُ الصَّابرين وذخيرةُ الشَّاكرين.
- عَقدُ مُحْكَمِ الإخاءِ بين الكلمِ الطَّيِّبِ والعملِ الصالحِ المرفوع إلى رب السماء.
- الفتحُ القُدْسِيُّ.
- الفرق بين الخلة والمحبة ومناظرة الخليل لقومه.
- الفُروسِية.
- فَضلُ العِلْمِ وأَهْلِهِ.
- فوائدُ في الكلامِ على حديثِ الغَمَامةِ، وحديث الغَزَالةِ، والضَّبِّ، وغيره.
- الفوائد.
- قُرَّةُ عيونِ الْمُحِبِّين، وروضةُ قلوبِ العارفين.
- الكافية الشافية في النحو.
- الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية.
- الكبائر.
- كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء.
- اللَّمْحَة في الرَّدِّ على ابن طلحة.
- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
- المسائل الطرابلسية.
- معاني الأدوات والحروف.
- أسرار الصلاة (رسالة).
- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة.
- الْمَنَارُ الْمُنِيفُ في الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ.
- الْمَوْرِدُ الصَّافِي والظِّلُّ الضَّافِي.
- مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
- نَقْدُ الْمُنْقُول، والمحكُّ الْمُمَيِّزُ بين المقبول والمردود.
- نِكَاحُ الْمُحْرِم.
- نورُ الْمُؤْمِنِ وَحَيَاتُهُ.
- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.
- الوابل الصيب من الكلم الطيب.
منهجه في التأليف
كان ابن القيم يهتم بذكر مصادره التي يستقي منها، وقد تنوعت مصادره في مؤلفاته، كان أكثرها من كتب الحديث من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم، كما أكثر من النقل عن ابن أبي الدنيا وابن عبد البر وابن قدامة وآل تيمية. وعادة ما يذكر اسم المؤلف بدون ذكر اسم الكتاب الذي ينقل عنه كما جرت عادة العلماء المتقدمين. وكان يُدقق ما ينقله حتى يراجع النسخ المختلفة من الكتاب الواحد عندما يقتضي الأمر ذلك، قال مرة في حديث: "وهذا في جميع نسخ كتاب النسائي هكذا". ويقول في حديث آخر: "هذا الذي في رواية اللؤلؤي عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة عنه".
كما كان ينقل عن شيوخه خاصة ابن تيمية وجمال الدين المزي، ولم يكتف ابن القَيِّم في نقل مادته العلمية بالمصادر المكتوبة فقط، بل رُبَّمَا دَوَّنَ بعض المعلومات بطريق المشافهة والسماع. فيقول مرة: "سألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله عن أبي هريرة؟". ويقول مرة أخرى: "قُرئَ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في (التهذيب) وأنا أسمع".
كما كان يُقوِّم بعض مصادره، ويُبدي رأيه فيها، إما بمدحها والثناء عليها تارةً، وتارةً أخرى ببيانِ عيوبها وبعض المآخذ عليها، وتارةً ثالثة بالتعريف بها أو ذكر بعض المعلومات التوضيحية عنها، أو الفوائد المتعلقة بها. من أمثلة ذلك ما قاله عن أقسام اللذات للرازي: "وهو كتاب مفيد"، وقال عن كتاب حقائق التفسير للسلمي: "التفاسير المستنكرة المستكرهة، التي قُصِدَ بها الإغراب والإتيان بخلاف ما يَتَعَارَفُهُ النَّاس؛ كَحَقَائِق السُّلَمي وغيره، مما لو تُتُبِّعَ وبُيِّنَ بُطلانه، لجاءَ عِدَّة أسفار كِبَار".
أسلوبه الأدبي والشعري
يظهر من تصنيفات ابن القيم سعة حفظه للشعر والأمثال. حيث أكثر من الاقتباس من الشعر في كتبه. كما كان شاعراً يُنشد الشعر ولكنه كان شاعراً علميًّا لا أدبيًّا. فمن قصائده القصيدة الميمية من 112 بيتاً، والتي تحدث فيها عن مشهد الحجيج وانتفاضة البعث، وسبيل النجاة، وذكر الجنة ونعيمها. وأشهر قصائده القصيدة النونية المُسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية والتي بلغت أبياتها نحو ستة آلاف بيت، وعدها بكر أبو زيد 5842 بيتاً، والتي يرد فيها على المشبهة والمعطلة.
كما كان يُبدي نقده الشعري، فانتقد بيتاً لـأبي نواس يكرر فيه نفس الكلمة عدة مرات، ويرى ذلك قدحاً في بلاغة الأبيات. كما يرى أن تضمين القصيدة آيات من القرآن معيب، فيقول: "وهو مما ينبغي أن تعاف النفوس سماعه، وهو متدرج في التحريم لما فيه عدم الإجلال لكلام الله". وكان ابن القيم يستخدم السجع في كلامه، ويستخدم الأمثال والتصوير.
المراجع
- بكر أبو زيد (1420هـ/2000م). الجامع لسيرة شيخ الإسلام بن تيمية. الرياض-السعودية: دار عالم الفوائد. ص. ف. مؤرشف من الأصل في 2020-03-06.
- عادل نويهض (1988)، مُعجم المُفسِّرين: من صدر الإسلام وحتَّى العصر الحاضر (ط. 3)، بيروت: مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، ج. الثاني، ص. 503.
- عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي؛ تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين (1425هـ/2005م). كتاب الذيل على طبقات الحنابلة، الجزء الخامس من سنة 701 إلى سنة 751هـ. الرياض-السعودية: مكتبة العبيكان. ص. 170-171.
- شمس الدين الذهبي؛ تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول (1405هـ/1985م). كتاب ذيول العبر في خبر من غبر، الجزء الرابع من سنة 701 إلى سنة 764. بيروت-لبنان: دار الكتب العلمية. ص. 155.
- ابن العماد الحنبلي؛ تحقيق وتعليق: محمود الأرناؤوط. إشراف وتخريج الأحاديث: عبد القادر الأرناؤوط (1413هـ/1992م). كتاب شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب، المجلد الثامن من سنة 701 إلى سنة 800هـ. دمشق-سوريا: دار ابن كثير. ص. 287.
المداخلات العلمية (0)
انضم للمداخلات العلمية
سجل دخولك لتشارك وتضيف مداخلتك الأكاديمية على هذه الدراسة.
تسجيل الدخول للمشاركةلا توجد مداخلات بعد. كن أول من يضيف مداخلة!